منذ أحداث السابع من أكتوبر، دخل قطاع غزة مرحلة غير مسبوقة من الدمار والوجع الإنساني. لم تكن تلك اللحظة مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كانت نقطة تحوّل استراتيجية أعادت رسم المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، ودفعت بأهالي القطاع إلى قلب عاصفة لا تزال تداعياتها تتوالى.
القرار بالتصعيد الكبير في ذلك التوقيت، وبتلك الطريقة، يطرح أسئلة ثقيلة حول حسابات الربح والخسارة، وحول ما إذا كانت القيادة التي اتخذته قد وضعت في اعتبارها حجم الرد المتوقع، وكلفته الإنسانية، وقدرة المجتمع المحاصر أصلًا على تحمّل حرب شاملة.
في السياسة، لا تُقاس القرارات بشعاراتها بل بنتائجها. والنتائج على الأرض في غزة كانت كارثية: آلاف الضحايا، دمار واسع للبنية التحتية، انهيار الخدمات الصحية، ونزوح جماعي طال معظم السكان. أمام هذا المشهد، يصبح من المشروع – بل من الضروري – طرح سؤال المسؤولية.
هل كانت هناك قراءة دقيقة لموازين القوى؟
هل وُضعت حماية المدنيين في صدارة الحسابات؟
أم أن الرهان كان أكبر من قدرة المجتمع على احتماله؟
أهالي قطاع غزة ليسوا طرفًا في صناعة القرار العسكري، لكنهم يتحمّلون تبعاته كاملة. وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية والسياسية: حين تتحول الأرض المكتظة بالسكان إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يصبح المدنيون أول من يدفع الثمن.
النقد هنا لا يعني إنكار تعقيدات الصراع أو تجاهل السياق التاريخي والسياسي، لكنه يعني التأكيد على أن أي قرار يقود إلى كلفة بشرية بهذا الحجم يستوجب مراجعة صريحة ومسؤولة.
التجارب السياسية الكبرى تُقاس بقدرة قادتها على التقييم الذاتي. فالمقاومة – أيًا كان تعريفها – لا يمكن أن تنفصل عن مسؤوليتها تجاه مجتمعها. وحين تكون النتيجة انهيارًا شاملًا للحياة المدنية، يصبح السؤال عن جدوى التوقيت وأدوات التنفيذ سؤالًا مشروعًا.
غزة اليوم لا تحتاج إلى خطابات تعبئة بقدر ما تحتاج إلى رؤية إنقاذ، وإلى إعادة ترتيب الأولويات بحيث تكون حياة الناس وكرامتهم في المقدمة.
في السابع من أكتوبر 2023، أقدمت حركة حماس على عملية عسكرية واسعة ضد إسرائيل، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات طويلة من الصراع. ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل تحوّل إلى نقطة مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري والإنساني في قطاع غزة، وفتحت الباب أمام واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث.