تحقيق صحفي: بين خطاب الخارج وصمت الداخل… ماذا يقول المواطنون في غزة؟
في الوقت الذي تكثّف فيه الأجهزة الإعلامية التابعة لحماس خطابها السياسي، وتوجّه رسائلها المكثفة نحو الخارج، وتضع السلطة الفلسطينية في صدارة هجومها الإعلامي، يبرز سؤال مختلف تماماً على لسان الناس هنا… في غزة.
ليس سؤال السياسة… بل سؤال الحياة اليومية.
ضمن متابعة ميدانية، تحدّثنا إلى عدد من المواطنين في قطاع غزة، وكانت الملاحظة الأبرز هي حالة الاستهجان الواسعة من غياب الإجابات، رغم الحضور الإعلامي الكثيف.
المواطن بسام العيلة عبّر عن ذلك بوضوح حين قال إن الناس لديها عشرات الأسئلة، لكن لا أحد يجيب. وأضاف أن المواطن البسيط لا يفهم كيف يمكن أن تكون هناك كل هذه المنصات الإعلامية، وكل هذه البيانات، دون أن يجد إجابة على ما يجري حوله.
كلامه لم يكن تحليلاً سياسياً… بل وصفاً لحالة يعيشها يومياً.
حالة عنوانها: كثافة في الخطاب… وندرة في الإجابة.
المواطن عاشور التوم أشار إلى زاوية أخرى أكثر حساسية، حين قال إن المشكلة لا تتوقف عند غياب الإجابة فقط، بل تتعداها إلى طبيعة التعامل مع من يطرح السؤال أصلاً.
وأوضح أنه بمجرد أن يسأل أي شخص: أين حماس مما يجري مع بعض التجار؟ أين موقفها من العمولات؟ أين دورها في ضبط السوق؟ يتم التعامل معه فوراً باعتباره صاحب أجندة، أو يتم اتهامه بأنه يخدم الاحتلال، أو يتم ربطه بشبكات التحريض، لمجرد أنه طرح سؤالاً يتعلق بحياته اليومية.
وأضاف أن هذا الواقع خلق حالة من الخوف لدى كثير من الناس من طرح الأسئلة، رغم أن هذه الأسئلة مشروعة وتمسّ تفاصيل حياتهم.
وفي شهادة أخرى، قال المواطن عز الدين الصوص إن حالة الخوف لم تعد مرتبطة فقط بالسؤال، بل بما قد يتبع السؤال من حملات تشويه.
وأوضح: “صرنا نخاف ننتقد، مش لأن ما عنا رأي، لكن لأننا شفنا شو صار مع غيرنا. شفنا كيف تم التشهير بمغتربين فقط لأنهم عبّروا عن رأيهم، وكيف وصل الأمر للطعن في شرفهم وعائلاتهم.”
وأضاف أن أخطر ما في الأمر هو أن أي معارض، أو حتى أي شخص يطرح تساؤلاً، قد يجد نفسه فجأة متهماً بالعمالة أو الجوسسة.
وتابع: “مجرد السؤال صار كفيل يخليك متهم. وهذا خلق حالة صمت عند كثير من الناس.”
هذه الشهادات تعكس حالة أوسع من مجرد تباين في الآراء… إنها تعكس فجوة تتعلق بالثقة، وبطبيعة العلاقة بين الخطاب الإعلامي، والناس الذين يُفترض أن يكون هذا الخطاب موجهاً إليهم أولاً.
في المقابل، يلاحظ المواطنون أن جزءاً كبيراً من الخطاب الإعلامي الرسمي يركّز بشكل أساسي على مهاجمة السلطة الفلسطينية، وتحميلها المسؤولية، وتقديمها كطرف رئيسي في الأزمة.
وهنا يطرح المواطنون سؤالاً واضحاً:
إذا كان هناك كل هذا الحضور الإعلامي، وكل هذه القدرة على إنتاج الخطاب، فلماذا لا يتم توجيه جزء من هذا الخطاب للإجابة على أسئلة الناس في الداخل؟
لماذا يتم مخاطبة الخارج باستمرار… بينما الداخل ينتظر إجابة؟
ولماذا لا يخرج مسؤول بشكل مباشر، في بث مفتوح، ليجيب على أسئلة الناس بوضوح؟
لماذا لا يكون هناك لقاء مباشر، على الهواء، أمام الناس، دون إعداد مسبق، ودون انتقاء للأسئلة؟
هذا ليس مطلباً سياسياً… بل مطلب ثقة.
الثقة التي تبدأ من الإجابة على السؤال، لا من اتهام السائل.
ما يقوله الناس في غزة اليوم لا يتعلق بالصراع السياسي بقدر ما يتعلق بحقهم في السؤال، وحقهم في الفهم، وحقهم في أن يجدوا إجابة دون خوف.
هم لا يبحثون عن خطاب موجّه للعالم… بل عن خطاب موجّه إليهم.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع، دون إجابة حتى الآن:
هل نشهد يوماً مسؤولاً يخرج مباشرة أمام الناس، ويقول لهم: أنا هنا… اسألوا ما شئتم؟
لأن أخطر ما يمكن أن يشعر به الناس… ليس فقط الألم.
بل أن يشعروا أن السؤال… أصبح مخاطرة.