غزة –
في المقاهي، وعلى منصات التواصل، وفي الأحاديث الجانبية بين المواطنين، يتكرر سؤال واحد بصيغ مختلفة: هل تُطبق معايير المساءلة بشكل متساوٍ على الجميع؟
قبل أي شيء، يجمع من تحدثوا في هذا التحقيق على مبدأ أساسي: لا يمكن تبرير القتل تحت أي ظرف. القتل جريمة أخلاقية وقانونية سواء وقع في الضفة أو في غزة، وسواء ارتكبته جهة رسمية أو جماعة مسلحة. الضحايا أبرياء في كل الحالات، والعائلات التي فقدت أبناءها لا تبحث عن جدل سياسي، بل عن عدالة واضحة.
أعاد بيان جهاز الأمن الوقائي بشأن وفاة طفل بالخطأ خلال مهمة لتوقيف مطلوب للقضاء في طوباس فتح باب النقاش.
البيان تضمّن تحمّلًا رسميًا للمسؤولية، وهو ما اعتبره البعض خطوة مهمة في مسار الاعتراف بالأخطاء، حتى وإن لم يُنهِ الجدل حول تفاصيل الحادثة أو إجراءات المساءلة اللاحقة.
يقول أحد المتابعين في غزة:
“الاعتراف بحد ذاته مهم… لكن السؤال: هل هذا المعيار يُطبق في كل الحالات؟”
في المقابل، تعود إلى الواجهة ملفات أحداث 2007 في غزة، والتي لا تزال محل نقاش واسع. من بينها قضية أطفال عائلة بعلوشة، التي بقيت حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي، فيما يتساءل مواطنون عن نتائج تحقيقات قضائية منشورة للرأي العام، وأسماء المسؤولين، وأحكام صدرت — إن وُجدت.
كما تُستحضر قضية إسلام حجازي، التي أثارت صدمة واسعة آنذاك، خاصة بعد صدور بيان لاحق أقرّ بخطأ في التشخيص.
بالنسبة لكثيرين، لا يتعلق الأمر بإعادة فتح جراح قديمة بقدر ما يتعلق بمبدأ ثابت: هل أُغلقت هذه الملفات بإجراءات مساءلة واضحة وشفافة؟
لا تقتصر التساؤلات على ملف واحد. عائلات مثل عائلة السعافين وغيرها ما زالت، وفق ما يقول مقربون منهم، تبحث عن توضيحات رسمية كاملة بشأن ما جرى في تلك المرحلة المضطربة.
أحد المواطنين لخّص الأمر بقوله:
“نحن لا نقارن دمًا بدم… لكن العدالة يجب أن تكون واحدة.”
جزء من الجدل الدائر يتعلق بطريقة التناول الإعلامي.
فبينما تحظى بعض الحوادث بزخم واسع وتغطية مكثفة، يرى آخرون أن ملفات أخرى لا تحظى بنفس القدر من المتابعة، رغم خطورتها وحساسيتها.
وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر في الشارع الغزي:
هل العدالة تُجزّأ؟
هل تُفتح الملفات وفق معيار قانوني ثابت، أم وفق السياق السياسي والإعلامي؟
حقوقيون ومتابعون يؤكدون أن المطالبة بالمحاسبة لا تعني التحريض أو الانحياز السياسي، بل هي دفاع عن مبدأ سيادة القانون.
فالاعتراف بالخطأ — كما يقول أحد الأكاديميين في غزة — “ليس ضعفًا، بل خطوة أولى في طريق العدالة”.
في نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش بحادثة واحدة، بل بثقة الجمهور في منظومة المساءلة.
حين يُعلن عن تحمّل مسؤولية في ملف معين، يرتفع سقف التوقعات بضرورة تطبيق المعيار ذاته على بقية الملفات.
ويبقى السؤال الذي يتردد في غزة اليوم:
هل تكون المساءلة شاملة ومتساوية للجميع؟
أم تبقى بعض الملفات حاضرة في الخطاب، وغائبة في ساحات القضاء؟
الجواب، كما يقول مواطنون، هو ما سيحدد شكل الثقة العامة في السنوات القادمة.
فالعدالة، إما أن تكون للجميع… أو تفقد معناها.
غزة –
أعاد لقاء إعلامي جمع المتحدث باسم حركة فتح جمال نزال بأحد المذيعين الجدل حول ملفات أحداث عام 2007، بعد أن رفع نزال خلال النقاش صورة أطفال عائلة بعلوشة، في إشارة إلى الجريمة التي وقعت آنذاك وما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية الفلسطينية.
وخلال اللقاء، طرح نزال تساؤلات مباشرة حول مسار المحاسبة في تلك القضية، معتبرًا أن الملف لم يشهد — وفق ما يقول — إعلان نتائج تحقيق قضائي تفصيلي أو محاسبة معلنة للمسؤولين عن الجريمة.
اللقاء لم يكن مجرد سجال سياسي، بل عكس حالة استقطاب أوسع في الخطاب الإعلامي الفلسطيني، حيث تتكرر الإشارات إلى تلك المرحلة الدامية من الانقسام، دون حسم قانوني نهائي يطوي صفحاتها.
ويبقى السؤال الذي يتردد في الأوساط الشعبية:
هل يمكن بناء ثقة عامة دون معالجة شاملة لكل الملفات؟
وهل الاعتراف بخطأ في واقعة ما ينبغي أن يقابله فتح بقية الملفات بمعايير موحّدة؟
في ظل استمرار الانقسام السياسي، تبدو هذه الأسئلة مرشحة للبقاء في صدارة النقاش العام، بانتظار مسارات قضائية واضحة تُجيب عنها بعيدًا عن التجاذبات الإعلامية.