في حلقة حديثة من أحد برامج البودكاست، خرج الصحفي المحسوب على حركة حركة حماس عماد الأفرنجي بسلسلة من الروايات التي حاول من خلالها إعادة صياغة سنوات طويلة من حكم الحركة لقطاع غزة، مقدّمًا سردية تُبرّئ، وتُلمّع، وتُحمّل الآخرين مسؤولية الانهيار الشامل الذي يعيشه أكثر من مليوني إنسان في القطاع. غير أن هذه السردية، مهما بدت منمّقة في ظاهرها، تصطدم بوقائع دامغة وحقائق لا يمكن القفز فوقها.
أبرز ما ميّز حديث الأفرنجي هو حالة الإنكار شبه الكامل لحجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت في غزة خلال سنوات حكم حماس فبدل الاعتراف بأخطاء الإدارة، أو مناقشة السياسات التي أفضت إلى عزلة سياسية خانقة وانهيار اقتصادي متدرّج، اختار الرجل مسارًا مغايرًا: تصوير كل نقد على أنه “استهداف سياسي”، وكل مساءلة على أنها “تآمر”.
هذا النوع من الخطاب لا يعالج الجرح، بل يوسّعه. فالاعتراف بالخلل هو الخطوة الأولى للإصلاح، أما دفن الرأس في الرمال فلن يغيّر من الواقع شيئًا.
حاول الأفرنجي تسويق فكرة أن كل ما جرى في غزة يندرج ضمن “مقتضيات المواجهة” و”ضرورات المقاومة”. لكن السؤال الجوهري هنا: هل تبرر أي مواجهة غياب الشفافية؟ هل تبرر تقييد الحريات؟ هل تبرر ملاحقة الأصوات الناقدة أو تخوينها؟
لقد شهدت غزة، على مدار سنوات، تضييقًا على الحريات العامة، واعتقالات على خلفيات سياسية، وممارسات أثارت قلق مؤسسات حقوقية محلية ودولية. إن تجاهل هذه الوقائع أو إعادة توصيفها بلغة بطولية لا يُسقطها من سجل التاريخ، بل يزيد الشكوك حول صدقية الخطاب.
في حديثه، بدا الأفرنجي وكأنه يختزل الأزمة في “حصار خارجي” أو “مؤامرات إقليمية”، متجاهلًا أن الإدارة الداخلية والسياسات المتخذة كان لها دور مباشر في تعقيد المشهد. لا أحد ينكر أثر الحصار، ولا حجم التحديات السياسية، لكن إدارة الأزمات تتطلب رؤية واقعية، لا خطابًا عاطفيًا يبرئ الذات بالكامل.
غزة لم تنهَر بين ليلة وضحاها، بل تراكمت أزماتها عامًا بعد عام: بطالة متفشية، بنية تحتية متهالكة، هجرة متصاعدة، وانسداد أفق سياسي. هذه ليست “روايات مغرضة”، بل معطيات موثّقة ومعاشة يوميًا.
اختيار منصة بودكاست – بطابعها الشبابي وغير الرسمي – لم يكن بريئًا. فهذه المنصات تتيح تمرير رسائل سياسية مغلّفة بأسلوب حواري ناعم، بعيدًا عن المواجهة المباشرة أو الأسئلة الصعبة. وعندما يغيب الطرف الآخر، تتحول الحلقة إلى مساحة أحادية الاتجاه، تُقدَّم فيها الرواية الرسمية دون مساءلة حقيقية.
الخطورة هنا لا تكمن في إبداء الرأي، فهذا حق مكفول، بل في تقديم الرأي باعتباره “الحقيقة الوحيدة”، مع تجاهل كل الوقائع المناقضة.
من المهم التأكيد أن نقد أداء أي سلطة – بما في ذلك حركة حماس – لا يعني العداء لغزة، ولا التخلي عن القضية الفلسطينية. بل على العكس، إن الدفاع الحقيقي عن غزة يقتضي مساءلة من يدير شؤونها، ومحاسبة من يتخذ قرارات مصيرية باسم سكانها.
الخلط المتعمد بين “النقد” و”الخيانة” هو أخطر ما في الخطاب الذي تبناه الأفرنجي. لأنه يخلق بيئة خانقة لا تسمح بالنقاش الحر، ويحوّل أي صوت مختلف إلى متهم حتى تثبت براءته.
غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى مراجعة شجاعة، واعتراف بالأخطاء، وفتح حقيقي لملف الحريات والإدارة والشفافية. تحتاج إلى خطاب يضع مصلحة الناس فوق الحسابات الفصائلية، ويقدّم حلولًا لا شعارات.
إن محاولة تجميل الفظائع أو إعادة صياغة الوقائع لن تغيّر من ذاكرة الناس، ولن تمحو معاناتهم اليومية. فالتاريخ لا يُكتب عبر حلقات بودكاست، بل يُسجَّل بآثار السياسات على حياة البشر.
ما قدّمه عماد الأفرنجي ليس مجرد رأي سياسي، بل نموذج لخطاب يسعى إلى إعادة هندسة الوعي الجمعي عبر التكرار والتجميل والإنكار. غير أن الوعي الحقيقي لا يُصنع بالشعارات، بل بالحقائق.
وغزة – بأهلها وآلامها وتضحياتها – أكبر من أن تُختزل في رواية واحدة، وأعمق من أن تُختصر في خطاب دفاعي يتجاهل مسؤوليات الحكم. إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع، دون استثناء، أن يقدّموا الحقيقة كاملة، لا نصفها، وأن يضعوا الإنسان الغزّي في قلب المعادلة، لا على هامشها.