في تطور خطير يعكس حجم التضييق على حرية الرأي في قطاع غزة، كشف الناشط الفلسطيني أمين عابد عبر صفحته الشخصية عن قيام الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس باستدعاء والده، في خطوة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الأوساط الشعبية والإعلامية.
إن استدعاء والد ناشط بسبب مواقف ابنه أو آرائه ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل رسالة واضحة مفادها أن سقف التعبير بات منخفضًا إلى حد استدعاء الآباء بدلًا من مناقشة الأفكار. فحين تُستدعى العائلة إلى دائرة الاستهداف، نكون أمام مشهد يبتعد عن أي إطار قانوني أو أخلاقي، ويتجه نحو منطق الضغط غير المباشر ومحاولة إخضاع الأصوات الناقدة عبر محيطها الأسري.
أمين عابد، المعروف بطرحه الناقد ومواقفه العلنية، لم يخفِ يومًا رأيه تجاه الأوضاع السياسية والمعيشية في غزة. لكن الرد على الرأي بالرأي هو جوهر أي مجتمع حي. أما الرد عبر استدعاء الأب، فهو مؤشر خطير على ضيق مساحة الاحتمال، وتراجع منسوب تقبّل النقد.
الأخطر من ذلك، أن تزامن هذا الاستدعاء مع حملات تحريض وتشويه طالت الناشط وعائلته على منصات التواصل الاجتماعي، يكشف عن بيئة مشحونة يتم فيها تسخير التخوين والتشهير كسلاح لإسكات المخالفين. حملات لا تناقش مضمون ما يُقال، بل تسعى إلى شيطنة قائله والنيل من سمعته وسمعة أسرته.
إن أي خلاف سياسي أو فكري لا يبرر تحويل العائلات إلى ساحة ضغط. فالمسؤولية شخصية، والمواقف شخصية، ولا يجوز توسيع دائرة الاستهداف لتطال من لا علاقة لهم بالنقاش العام. إن احترام كرامة العائلات خط أحمر في أي مجتمع يحترم ذاته.
اليوم، القضية ليست قضية أمين عابد وحده، بل قضية كل صوت قد يجد نفسه تحت طائلة الاستدعاء أو التشهير لمجرد أنه قال رأيًا مخالفًا. فالمجتمعات التي تضيق بالنقد، تتآكل من الداخل. والمشهد الذي يُستدعى فيه والد ناشط بسبب منشور، هو مشهد يستدعي وقفة جادة ومسؤولة.
إن المطلوب ليس إسكات الأصوات، بل فتح المجال لحوار حقيقي ومسؤول. فغزة التي تواجه تحديات سياسية وإنسانية جسيمة، أحوج ما تكون إلى مناخ يحمي حرية التعبير، لا إلى بيئة يخشى فيها الأب على نفسه بسبب كلمة كتبها ابنه.
التضامن مع أمين عابد اليوم هو دفاع عن مبدأ، عن حق في التعبير دون خوف، وعن كرامة عائلات يجب أن تبقى بعيدة عن أي شكل من أشكال الضغط أو الاستهداف.
