تتواصل في الآونة الأخيرة حملات منظمة تستهدف الصحفي الفلسطيني القدير عبد الحميد عبد العاطي، على خلفية مواقفه الواضحة والمنحازة لمعاناة أهل قطاع غزة في ظل الوضع الكارثي الذي تعيشه المدينة منذ أحداث السابع من أكتوبر. وهي حملات تحاول تصوير انحيازه الإنساني على أنه اصطفاف سياسي، في خلطٍ متعمد بين المهنية الصحفية وواجب الدفاع عن المدنيين.
إن الوقوف إلى جانب الضحايا، وتوثيق معاناتهم، ونقل صرخاتهم إلى العالم، ليس انحيازًا سياسيًا بل هو جوهر العمل الصحفي. فالصحافة، في تعريفها المهني والأخلاقي، تنحاز للحقيقة أولًا، وللإنسان المظلوم ثانيًا. وعندما يعبّر صحفي عن مأساة شعبه الذي يواجه القصف والنزوح والجوع والدمار، فإنه لا يخرج عن إطار دوره، بل يمارسه بأعلى درجات المسؤولية.
الادعاء بأن تضامن عبد الحميد عبد العاطي مع أهل غزة يُعد “انحيازًا” يتجاهل حقيقة أن ما يجري في القطاع كارثة إنسانية موثقة بالأرقام والصور والشهادات. فهل أصبح توصيف الألم انحيازًا؟ وهل صار الدفاع عن المدنيين تهمة؟
إن الحملات التي تستهدفه تبدو أقرب إلى محاولات ترهيب معنوي وإسكات الأصوات التي ترفض الصمت على المأساة. وهي أساليب باتت مألوفة في بيئات الاستقطاب الحاد، حيث يُراد للصحفي أن يكون إما تابعًا أو صامتًا، لا شاهدًا حرًا.
لقد عُرف عبد الحميد عبد العاطي بمسيرته المهنية الرصينة، وبتناوله القضايا الوطنية بلغة مسؤولة ومتزنة، بعيدًا عن التحريض أو الاصطفاف الفصائلي. ومواقفه الأخيرة لم تخرج عن هذا السياق، بل جاءت تعبيرًا عن موقف إنساني وأخلاقي تجاه معاناة أبناء شعبه.
إن الدفاع عن حق غزة في الحياة الكريمة، والمطالبة بوقف المأساة، ليس موقفًا فئويًا، بل مطلب إنساني جامع. ومحاولة تجريم هذا الموقف تكشف عن ضيق أفق من يخلط بين النقد المشروع والاتهام المجاني.
في النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من حملات التشويه، ويبقى صوت الصحافة الحرة أعلى من محاولات إسكاتها. فالتاريخ لا يذكر من حاولوا إخماد الضوء، بل يخلّد من أصرّوا على إشعاله في أحلك الظروف.