في غزة، لا يحتاج الناس إلى توصيفات بلاغية كي يشرحوا مأساتهم؛ فالحياة اليومية هناك تختصر المعنى كله: شعبٌ محاصر من الخارج، ومُثقَلٌ بالقهر من الداخل. بين مطرقة حركة حماس وسندان الاحتلال الإسرائيلي، يُسحق المدني البسيط، ويُدفع ثمنًا مضاعفًا لصراعات لا يملك قرارها ولا يملك الانسحاب منها.
على مدار سنوات، أحكم الاحتلال الإسرائيلي حصاره وعدوانه على القطاع، فحوّل غزة إلى بقعةٍ تختنق اقتصاديًا وإنسانيًا. الحروب المتكررة دمّرت البيوت، والبنية التحتية، وأحلام جيلٍ كامل. الكهرباء مقطوعة، المياه شحيحة، البطالة متفشية، والسماء مفتوحة للموت في أي لحظة. هذا وجهٌ لا يمكن إنكاره من المأساة: احتلالٌ يفرض العقاب الجماعي، ويستخدم القوة المفرطة، ويعامل أكثر من مليوني إنسان كأرقام في نشرات الأخبار.
لكن الوجه الآخر لا يقل قسوة. فبدل أن تكون السلطة القائمة في غزة سندًا لأهلها، تحولت في نظر كثيرين إلى عبءٍ إضافي. فقد مارست حماس طوال سنوات حكمها تكميم الأفواه، وملاحقة المعارضين، وإدارة القطاع بعقلية أمنية لا تعترف بالمساءلة ولا تتحمل النقد. يتحدث ناشطون عن اعتقالات تعسفية، واستدعاءات، وتضييق على كل صوت يخرج عن الخط الرسمي. المواطن الذي يئن تحت القصف، يجد نفسه كذلك مُطالبًا بالصمت عن أوجاعه الداخلية.
المفارقة المؤلمة أن أهل غزة لا يملكون رفاهية الاختيار بين طرفين؛ فهم ضحايا معادلة قاسية. الاحتلال يمارس عدوانه بلا رحمة، وحماس تواصل سياساتها التي يرى كثيرون أنها عمّقت العزلة، ودفعت القطاع إلى مزيد من المواجهات غير المحسوبة، دون توفير حماية حقيقية للمدنيين أو أفق سياسي يخرجهم من الدائرة المغلقة.
المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تفرض قول الحقيقة كاملة: الاحتلال يتحمل مسؤولية أساسية عن الحصار والقتل والدمار، وحماس تتحمل مسؤولية إدارة داخلية فشلت في صون كرامة المواطن وضمان حقوقه الأساسية في التعبير والمساءلة والحياة الآمنة ومسؤولية جر القطاع إلى هذه الظروف الكارثية
أهل غزة لا يريدون شعاراتٍ جديدة، ولا خطابات تعبئة. يريدون حياة طبيعية: بيتًا لا يُقصف، ورأيًا لا يُقمع، ومستقبلًا لا يُختطف. يريدون أن يكونوا بشرًا خارج معادلة الدم، لا وقودًا لصراعٍ مفتوح.
بين المطرقة والسندان، يبقى صوت الناس هو الحقيقة الأكثر إلحاحًا: كفى. كفى حصارًا وعدوانًا، وكفى قمعًا وتوظيفًا لمعاناتهم في معارك السلطة. غزة تستحق حياةً لا تُدار بالأمن وحده، ولا تُحكم بالقوة وحدها، بل تُبنى بالحرية والعدالة والمساءلة.
