في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها الساحة الفلسطينية، عادت بعض المواقع المشبوهة إلى ترويج مزاعم حول “اعتقالات سياسية” تنفذها الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، في محاولة مكشوفة لبث الفتنة وتشويه صورة المؤسسات الرسمية، دون الاستناد إلى أدلة موثوقة أو تقارير قانونية معتمدة.
هذه الادعاءات، التي تُنشر بصيغة تعميمية ومثيرة، تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن أي إجراء أمني يخضع – من حيث المبدأ – للقانون الفلسطيني ولرقابة الجهات القضائية المختصة، وأن توصيف أي توقيف على أنه “سياسي” يحتاج إلى إثباتات واضحة وأحكام قضائية تؤكد الطابع التعسفي أو المخالف للقانون، لا مجرد منشورات على منصات تفتقر إلى المهنية.
مصادر قانونية أكدت أن الغالبية الساحقة من التوقيفات التي يتم تنفيذها تأتي في إطار قضايا جنائية أو أمنية محددة، تتعلق بحفظ النظام العام أو مخالفات منصوص عليها في القانون، وأن النيابة العامة هي الجهة المخوّلة قانونياً بمتابعة هذه الملفات، وفق إجراءات معلنة وواضحة.
كما أن الجهات الحقوقية المحلية والدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية تتابع باستمرار أي ادعاءات تتعلق بانتهاكات محتملة، ما يجعل من الصعب تمرير ممارسات غير قانونية بشكل ممنهج دون توثيق أو مساءلة. ولو كانت هناك سياسة “اعتقالات سياسية” كما يُشاع، لكانت هذه الجهات قد أصدرت تقارير واضحة ومفصلة بهذا الشأن.
إن الإصرار على استخدام مصطلح “الاعتقال السياسي” بشكل فضفاض، دون تقديم بينات قانونية، يندرج في إطار الحرب الإعلامية ومحاولات التأليب، خصوصاً في مرحلة حساسة تمر بها القضية الفلسطينية، حيث يسعى البعض إلى تعميق الانقسام الداخلي عبر خطاب تعبوي يفتقر إلى الدقة والموضوعية.
الاختلاف في الرأي، أو توجيه النقد للسلطة أو لأي جهة رسمية، هو حق مكفول ضمن الأطر القانونية، لكن تحويل كل إجراء أمني إلى “قضية سياسية” يسيء إلى الحقيقة ويخلط بين حرية التعبير وبين المخالفات التي قد تستوجب مساءلة قانونية.
إن حماية الجبهة الداخلية تتطلب خطاباً مسؤولاً، يستند إلى الوقائع لا إلى الشائعات، وإلى الوثائق لا إلى الحملات المنظمة. وفي الوقت الذي يجب فيه التأكيد على ضرورة احترام الحقوق والحريات وصونها، فإنه من الواجب أيضاً رفض حملات التضليل التي تسعى إلى تقويض الثقة بالمؤسسات عبر روايات غير موثقة.
المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي أيضاً. وبين الرواية المدعومة بالدليل، والرواية المبنية على التحريض، يبقى الفيصل هو الحقيقة.