قناة الجرس

الإثنين، 23 فبراير 2026
تحليلات سياسية 23 فبراير 2026

هروب إلى الأمام: حملات تشويه ضد السلطة لصرف الأنظار عن أصل الكارثة

هروب إلى الأمام: حملات تشويه ضد السلطة لصرف الأنظار عن أصل الكارثة

تواصل بعض المواقع المشبوهة والمأجورة بثّ روايات مضللة تتهم السلطة الفلسطينية بالفساد، في محاولة بائسة لقلب الحقائق وتزييف وعي الشارع الفلسطيني، وصرف الأنظار عن المسؤول الحقيقي عن الكارثة التي حلت بأهل قطاع غزة. هذه الحملات ليست بريئة، ولا عفوية، بل تأتي في سياق سياسي واضح هدفه خلط الأوراق وإعادة تدوير خطاب التضليل.

إنّ اتهام السلطة الفلسطينية بالفساد بهذه الصيغة التعميمية المطلقة، دون تقديم أدلة قضائية موثقة أو أحكام صادرة عن جهات رقابية مستقلة، يكشف طبيعة هذه الادعاءات بوصفها أداة للتحريض السياسي أكثر من كونها حرصاً حقيقياً على النزاهة والشفافية. فالفساد – إن وجد في أي مؤسسة في العالم – يُعالج عبر القانون والقضاء وهيئات الرقابة، لا عبر منصات إعلامية مسيسة تتغذى على الشائعات وتستثمر في الألم الشعبي.

في المقابل، يتجاهل مروّجو هذه الروايات واقع الانقسام الذي فرضته حركة حماس بالقوة على قطاع غزة منذ عام 2007، وما ترتب عليه من تعطيل للمؤسسات الشرعية، وإضعاف للرقابة الرسمية، وخلق بيئة مغلقة لا تخضع للمساءلة الوطنية الجامعة. كما يتناسون سنوات من الإدارة المنفردة للقطاع، والقرارات الأحادية التي زجّت بغزة في مسارات تصعيدية متكررة كانت كلفتها دائماً يدفعها المواطن البسيط من دمه وبيته ومستقبله.

إن الكارثة الإنسانية التي يعيشها أهل غزة اليوم ليست نتاج منشور إعلامي هنا أو اتهام سياسي هناك، بل نتيجة تراكمات خطيرة من الانقسام، وغياب الوحدة الوطنية، وارتهان القرار لمصالح فئوية ضيقة. ومحاولة إلصاق كل ذلك بالسلطة الفلسطينية هو هروب واضح من مواجهة الأسئلة الجوهرية: من يحتكر القرار في غزة؟ من يدير السلاح؟ ومن يحدد مسار المواجهة والسلم دون توافق وطني شامل؟

إن الدفاع عن الحقيقة لا يعني الادعاء بكمال أي جهة، لكنه يعني رفض تحويل المعاناة الوطنية إلى مادة للمزايدات الإعلامية. الشعب الفلسطيني يستحق خطاباً مسؤولاً، يعترف بالأخطاء حيث وجدت، ويضع الإصلاح في إطاره القانوني، ويواجه في الوقت ذاته كل من ساهم في تعميق الانقسام وإضعاف الجبهة الداخلية.

إن المرحلة تتطلب مصارحة وطنية شاملة، لا حملات تشويه. وتتطلب توجيه البوصلة نحو إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة، وبناء نظام سياسي قائم على الشفافية والمساءلة، بعيداً عن لغة التخوين وتبادل الاتهامات التي لم تجلب لشعبنا سوى المزيد من الألم.

فكفى استثماراً في الجراح… وكفى تضليلاً للرأي العام. الحقيقة أكبر من أن تُحجب، والمسؤولية الوطنية تقتضي قولها كاملة دون انتقائية أو تسييس.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.